تفاصيل مروعة حول مجزرة جباليا.. حين شُطبت أسر كاملة من السجل المدني
صحيفة إسرائيلية تكشف أن هاليفي صادق على القصف رغم علم الجنود بوجود مدنيين. القصف بـ6 قنابل ثقيلة أدى لمقتل وإصابة 400 فلسطيني ودفن أسر تحت الأنقاض.

تعود إلى الواجهة من جديد مجزرة مخيم جباليا الدامية التي ارتكبها الاحتلال في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ما أدى لاستشهاد وإصابة المئات من الفلسطينيين.
ومع دخول حرب الإبادة الجماعية عامها الرابع على التوالي، بدأت تتكشّف تفاصيل مجازر دامية ارتكبها الاحتلال، والتي كان أبرزها مجزرة الاحتلال في منطقة "السنايدة" في بلوك 6 في مخيم جباليا، بعد أن ألقت طائرات الاحتلال 6 قنابل ثقيلة زنة كل منها 1000 كغ (أو ما يعادل 2000 رطل)، ما أدى تدمير الحي بالكامل، فيما أحدثت القنابل حفرا عميقة للغاية دفنت أسفلها عشرات جثامين الشهداء.
وكشفت صحيفة "هآرتس" العبرية في تحقيق نشرته خلال الساعات الماضية، أن الاحتلال كان يعرف جيدا حجم الخسائر البشرية التي كانت ستنتج عن مجزرة مخيم جباليا المأهول بالسكان.
وأكد جنود الاحتلال في حديثهم لـ"هآرتس" أنهم كانوا على علم بوجود مبانٍ مأهولة بالسكان، إلا أن رئيس الأركان في حينه هرتسي هاليفي صادق على قرار ارتكاب المجزرة التي بدأت بقصف عدة مبانٍ وإسقاطها ودفن المئات تحت الأنقاض، فضلا عن مئات الإصابات الذين أصيبوا في المنطقة كلها.
ويعترف أحد الجنود المشاركين: "أتذكر شعوري بالذهول حين سُوّيت بالأرض عدة مبان مكتظة بالسكان، ما أسفر عن مقتل المئات".
حيٌّ كامل قرب للمستشفى الإندونيسي
وأشارت وزارة الصحة في غزة حينها إلى أن المجزرة أسفرت عن سقوط 400 بين شهيد وجريح، مؤكدة أن العدد قد يكون الأكبر، وقد يناهز عدد ضحايا مذبحة مستشفى المعمداني؛ لأن المنطقة التي قصفت كانت "مكتظة بالسكان".
وقالت الصحة إن الاحتلال اقترف "مجزرة مروعة" بعد أن قصف حيا سكنيا محاذيا للمستشفى الإندونيسي في جباليا شمالي غزة، مخلّفا مئات الشهداء والجرحى.
ووصفت المستشفى الإندونيسي الحدث حينها بـ"الكارثي"، موضحة أن ضحايا القصف يعانون حروقا وتشوهات تظهر أن الاحتلال استعمل في القصف "أسلحة محرمة دوليا".
وامتد الدمار إلى أسر بأكملها مُحيت من السجل المدني، فيما عجز أقارب ضحايا من عائلات أبو نصر، وأبو القمصان، وحجازي، ومسعود، والبهنساوي، وعكاشة، عن العثور على جثامين ذويهم أو معرفة مصيرهم، في مشهد عكس حجم الخسائر البشرية التي خلّفها القصف الصهيوني.
وبعد ساعات من المجزرة، كشفت مشاهد وصور حجم الدمار الهائل الذي أحدثه قصف الاحتلال على المخيم، فيما ظهرت مربعات سكنية وسوى عمارات وبنايات متراصة بالأرض، كما أحدث حفرا عميقة في باطن الأرض من شدة القصف الإسرائيلي.
شهادات مروعة لناجيين
فقد الفلسطيني رامي التلمس عددا من أفراد عائلته -بينهم ابنه وشقيقه وابن شقيقه- وظل بجوار جثامينهم لعدة أيام، دون أن يتمكن من انتشالهم، بينما أصيب هو وباقي أفراد العائلة.
ويقول للأناضول إن مشهد مجزرة جباليا سيظل كابوسا لن يمحى من ذاكرتي، وكأني شهدت جانبا من أهوال يوم القيامة.
وبنبرة الألم والحزن العميق، يروي رامي تفاصيل ذلك اليوم، ويقول: كنا جالسين في منزلنا حينما تساقطت علينا القنابل الإسرائيلية، فخطفت أرواح عدد من أفراد أسرتي بينهم ابني الأكبر وشقيقي وابنه.
وأوضح رامي -الذي تمكن من الخروج من تحت الركام بكدمات وجروح دامية في رأسه- أنه ظل بجوار مكان دفن ابنه وأخيه، لعلّه يتمكن من انتشالهم.
ولفت إلى أنه بعد ساعات طويلة من الحفر اليدوي برفقة متطوعين من السكان استطاع العثور على أطراف من جثامين مفقوديه، لكنه لم يفلح في انتشالهم.
ويقول: نظرا لشح الآليات كنا عاجزين عن انتشالهم، وبقيت عدة أيام جالسا بجوارهم دون أن أستطيع فعل شيء، حتى تمكنا أخيرا من ذلك بشق الأنفس.
كان الشاب محمود أبو نصر يمنّي النفس بأن يعثر على رفات 20 من أفراد عائلته الذين تبخرت جثامينهم.
ويقول محمود للأناضول إنه كان جالسا في منزله بمشروع بيت لاهيا، حينما سمع بوقوع المجزرة في "حارة السنايدة" حيث يقع بيت جده المكون من طابق واحد.
ويوضح أنه هرع وشقيقه إلى المنطقة ليرى ما لا تطيقه العين أو يستوعبه العقل، بعدما قُلبت الحارة رأسا على عقب، ولم يجد أيا من معالمها، وتاه عن مكان البيت.
ومتحدثا عن حجم الدمار الهائل، يقول: وأنا أتنقل بين الركام، حدّقت النظر جيدا لعلّي أهتدي إلى مكان بيت جدي، فلم أستطع التمييز، وقد وجدت البيت كأنه تبخّر تماما، وحدثت مكانه حفرة كبيرة يتجاوز قطرها 10 أمتار.
ويتابع: بحثت فلم أعثر على أفراد عائلتي، وقررت الذهاب إلى المستشفى الإندونيسي، وهناك رأيت الجزء الآخر من المأساة، فعشرات الجثث ملقاة عند ثلاجة الموتى وأمام بوابات المستشفى.
ومحاولا تقريب الصورة، يقول محمود: رائحة الموت كانت منتشرة في كل مكان، ورأيت في عيون الناس الحيرة الحسرة والصدمة، وكأن زلزالا قد أصاب المنطقة برمتها.
ويشير محمود إلى ساعات طويلة من البحث حتى حل المساء دون جدوى، ومع ذلك فقد عاود البحث صباحا، واستمر على هذا الحال أياما.
وختم بقوله: ما زالت الحسرة والألم يعتصران قلبي، فكنت أود فقط أن أعثر على جثامين جدي وعمي وعماتي وأبنائهم لأودعهم، وأدفنهم، ولكن قنابل الحقد الإسرائيلية حالت بيني وبين ذلك.
مجازر متتالية وجثامين تحت الأنقاض
وبعد أقل من 24 ساعة على المجزرة الدامية، قصف الاحتلال مربعا سكنيا في الفالوجا بمخيم جباليا في قطاع غزة مما أسفر عن استشهاد وإصابة العشرات، بمكان لم يكن بعيدا عن الحي الذي ارتكب فيه مجزرة 31 أكتوبر، فيما قالت وزارة الصحة إن القوات الإسرائيلية ارتكبت مجزرة أخرى في مخيم جباليا، أحد أكثر الأماكن اكتظاظا في القطاع، حيث تتلاصق المنازل.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل، إن عائلات بأكملها استشهدت في مجزرة جباليا الثانية، مضيفا أنهم لا يملكون المعدات الكافية لإنقاذ الأشخاص من تحت الأنقاض في مخيم جباليا.
ويعد مخيم جباليا أكبر مخيمات اللاجئين بالقطاع، ويقع إلى الشمال من غزة، ويقطنه نحو 114 ألف لاجئ مسجل حسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشن إسرائيل بدعم أميركي مطلق حرب إبادة جماعية على غزة، أسفرت عن 74,389 شهيدًا، و175,423 إصابة، فضلا عن آلاف المفقودين تحت أنقاض منازلهم وفي الطرقات التي لا تستطيع طواقم الدفاع المدني الوصول إليها.


