غزة اليوم
تقارير

يحيى السنوار.. عن رجل أقضّ مضجع إسرائيل وتنبّأ بشهادته قبل 20 عاما

نشر الاحتلال صور لحظاته الأخيرة وهو يلقي عصا على مسيرة قبل لحظات من استشهاده في 16 أكتوبر 2024، لتتصدر سيرته وسائل الإعلام العالمية.

يحيى السنوار.. عن رجل أقضّ مضجع إسرائيل وتنبّأ بشهادته قبل 20 عاما

استشهد صاحب العصا، وحفّت سيرته كافة وسائل الإعلام العدوة قبل الصديقة، ووقف العالم على قدم واحدة مذهولا يرصد نهاية أسطورية لرجل حارب "إسرائيل" بيدٍ نازفة وعصا خشبية تحوّلت إلى أيقونة للمقاومة، نعاه العالم من شرقه لغربه، وتسابقوا لتسمية أبنائهم بالاسم نفسه "يحيى السنوار"، وأصبحت صوره محط فخر في الشوارع والمنازل بل كهدايا زفاف أيضا، تخليدا لسيرة بطل قاتل مشتبكا حتى الرمق الأخير في خطوط الاشتباك الأولى.

يحيى السنوار، سيد الطوفان الذي كتب نهاية تمنّاها منذ أن كان أسيرا في سجون الاحتلال، حين كتب في روايته الشوك والقرنفل رسالة لأمه: "الآن جاء الموعد يا أماه، فلقد رأيت نفسي أقتحم عليهم مواقعهم، أقتلهم كالنعاج ثم أستشهد، ورأيتني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم، وهو يهتف بي مرحى بك، مرحى بك".

مضى عامان على ارتقاء القائد المشتبك يحيى السنوار وما زالت تفاصيل استشهاده تشغل أصقاع الأرض لمعرفة المزيد، وقراءة سيرته، وتشكّل عقلية رجل لم تقوَ عليه استخبارات أقوى الدول في العالم، فالصورة الأخيرة التي نشرها الاحتلال الإسرائيلي أصبحت نموذجا بطوليا، قيل فيه ما لا يستطيع صحفي على رصده بكافة اللغات، فلم يكن وصف "ساموراي فلسطين" الذين أطلقه نشطاء ومحللون يابانيون بعيدا عن وصف جلال المشهد، وفضيلة القتال الذي واصله السنوار.

ونشر الاحتلال الإسرائيلي صور اللحظات الأخيرة لرئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) يحيى السنوار بعد استشهاده إثر خوضه اشتباكات مع قوات الاحتلال في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2024.

وتظهر الصور التي نشرها الاحتلال، القائد السنوار وهو ملثم يجلس على أحد المقاعد ويلقي لوحا خشبيا نحو مسيّرة إسرائيلية دخلت إلى المبنى، قبل أن يتم استهدافه بإطلاق قذيفة دبابة على المبنى.

المولد والنشأة

في 19 أكتوبر 1962 سيُولد طفلٌ ويُطلق عليه اسم يحيى إبراهيم حسن السنوار لعائلة لاجئة في مخيم خانيونس للاجئين بعد أن هجّرهم الاحتلال من مدينة المجدل عام 1948.

سيشكل الصلف الإسرائيلي وعي السنوار المبكر بأن تحرير فلسطين يمرّ "عبر فوهة البندقية". سيكبر ذلك الطفل في المخيم، وسيدرس في مدارسه، ورغم كل الصعوبات والتي كان أبرزها الاحتلال الإسرائيلي، سيكمل يحيى دراسته في الجامعة الإسلامية بغزة، ليحصل على بكالوريوس اللغة العربية، ويقود العمل الطلابي، حيث سيترأس مجلس الطلبة، وسيقود الكتلة الإسلامية، ليبرز مبكرًا كمنظّر شرس في الساحات الطلابية.

سنوات الاعتقال

اعتقل الاحتلال الشاب يحيى السنوار لأول مرة عام 1982، وأفرج عنه بعد أيام، ليعتقل مجددا في العام ذاته، وحكم عليه بالسجن لمدة 6 أشهر بتهمة المشاركة في نشاطات ضد الاحتلال، وخرج السنوار من السجن وأسس جهازا أمنيا عرف باسم "المجد" عام 1985، وكانت مهمته ملاحقة العملاء والمتخابرين –المتعاونين مع الاحتلال-

اعتقله الاحتلال مجددا في 20 يناير/كانون الثاني 1988، وحكم عليه بالسجن المؤبد 4 مرات، بالإضافة إلى 30 عاما، وذلك خلال الانتفاضة الأولى (1987-1994).

ترأس السنوار خلال فترة اعتقاله الهيئة القيادية العليا لأسرى حماس، وأدار مع رفاقه إضرابات كبرى عن الطعام في أعوام (1992، و1996، و2000، و2004)، وله مؤلفات في السياسة والأمن والأدب، بينها روايته “الشوك والقرنفل” التي جسدت التجربة الفلسطينية بعد النكسة.

أتقن السنوار العبرية، وتمكن من قراءة العقل الإسرائيلي جيدا، وتعمق في قراءة كتب وأفكار قادة الحركة الصهيونية أمثال زئيف جابوتنسكي ومناحيم بيغن وإسحق رابين.

وبعد قضاء السنوار 23 عاما في سجون الاحتلال، أفرج عنه ضمن صفقة وفاء الأحرار –صفقة جلعاد شاليط- 2011، لتدرك إسرائيل لاحقا بل متأخرا أيضا أن هذا الرجل سيكبّدها أكبر خسارة عسكرية في تاريخها، ويتحقق ما تنبّأه حرفا حرفا بعزل إسرائيل، من انهيار صورة الكيان في الرأي العام العالمي، ودعم الدول الصديقة لإسرائيل سيتقلص كل يوم، وسيواصل قائد الطوفان في هز إسرائيل من عمق قبره.

التصدر للقيادة

بعد الإفراج عن السنوار في صفقة “وفاء الأحرار”، تزوج "أبو إبراهيم" ورُزق بثلاثة أبناء، وتسلّم ملفات أمنية وعسكرية في قيادة الحركة، وانتُخب رئيسًا لمكتبها السياسي في غزة عام 2017.

نجح السنوار في معالجة العديد من الملفات على الصعيد الوطني وغيره، وأسهم في التخفيف من أزمات غزة، وبذل مع حركة فتح جهودًا حثيثة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على أساس برنامج المقاومة.

وجمع السنوار بين أشكال متعددة من المقاومة، حيث قاد مسيرات العودة كأداة للمقاومة الشعبية السلمية انطلاقا من العام 2018، وأدار معارك عسكرية متكررة ضد الاحتلال وجولات مواجهة هز فيها عقيدة الردع الصهيونية، كانت أبرزها معركة سيف القدس عام 2021، كما حمل على عاتقه مهمة تحرير الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال باعتبارها أولوية وطنية وأخلاقية.

سيد الطوفان

وفي 7 أكتوبر 2023، برز السنوار كأحد العقول المدبرة لعملية “طوفان الأقصى”، التي اعتُبرت أخطر وأكبر وأنجح هجوم فلسطيني عسكري ضد الاحتلال منذ عقود.

تحوّل السنوار في ذلك اليوم إلى رمز لقائدٍ يخرج من تحت الحصار ويقلب معادلات الأمن الإسرائيلي رأسًا على عقب.

وبعد اغتيال إسماعيل هنية في يوليو 2024، انتُخب السنوار قائدًا عامًا لحركة حماس، فانتقل من موقع قيادة غزة إلى زعامة الحركة، كخطوة تحدٍ للاحتلال وتأكيد على أنه رجل المرحلة الذي يجمع بين تجربة الأسر والتنظيم والسياسة والميدان.

السنوار شهيدا ونبؤته تتحقق

في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلنت إسرائيل استشهاد السنوار خلال اشتباك في منطقة تل السلطان بمدينة رفح، بعدما خاضت قواتها مواجهة مع مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين. وأظهرت صور بثها الجيش الإسرائيلي السنوار مصاباً داخل مبنى متضرر، وهو يرمي عصاً باتجاه طائرة مسيّرة اقتربت منه، في مشهد انتشر على نطاق واسع في وسائل الإعلام ومنصات التواصل.

ظنّ الاحتلال حينها أن استشهاد السنوار سيكون الحلقة الأخيرة في تاريخ رجلٍ دوّخ إسرائيل، وفتّت أمنها وحوّل استخباراتها إلى رمادٍ يجلس بجانبه الرجل السبعيني بنيامين نتنياهو يتخبّط الراحة، لكن أبو إبراهيم كما كان يواصل مفاجأة إسرائيل في حياته، واصل صفعه يوما بعد يوم حتى بعد استشهاده، فيما اعترف خبراء ومحللون وقادة إسرائيليون أنهم أخطأوا خطأ جسيما في تحليل شخصية السنوار.

ويقول الكاتب الإسرائيلي "حاييم ليفنسون"، "تنهي حماس هذه المعركة بإنجازين مهمين؛ أولاً، إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي. كان نتنياهو يحلم بدفن هذه القضية، بهدف تقسيم الشعب الفلسطيني وإقامة علاقات مع الدول العربية دون الأخذ بهم بعين الاعتبار. لكن يحيى السنوار، الرئيس السابق للمكتب السياسي لحماس، دخل المعترك لكسر هذا الوضع ونجح في ذلك".

وأضاف "اليوم، عادت القضية الفلسطينية لتكون الموضوع الأهم على الأجندة العالمية، وانضم الملايين إلى دائرة مؤيديها. إسرائيل تواجه الآن ضغوطًا سياسية في أوروبا، في حين أن نتنياهو لا يزال يكرر أن إقامة دولة فلسطينية هي مكافأة للإرهاب".

وأضاف ليفنسون: "في المقابل، أدرك السنوار فضاء الغرب بدقة أكبر. وقف إطلاق النار الحالي هو العودة الرسمية للقضية الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات الدولية؛ هذه المرة مع وجود أفق واقعي لإقامة دولة مستقلة، وذلك تحت رعاية رئيس الولايات المتحدة الأمريكية".

أما الإنجاز الثاني، حسب الكاتب، فهو تحرير الأسرى الفلسطينيين. كتب: "في أذهان الفلسطينيين، تحرير الأسرى هو قضية وطنية أساسية. السلطة الفلسطينية، على الرغم من تعاونها مع إسرائيل، فشلت في هذا المجال؛ لكن حماس نجحت حيث فشلوا".

وبعد أيام من استشهاد السنوار صرح مسؤولون وخبراء إسرائيليون لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن "التقدير الخاطئ لشخصية السنوار كان مقدمة لأكبر فشل في مجال الاستخبارات الإسرائيلية"

وأما مايكل ميلشتاين، الضابط السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية للصحيفة "بالنسبة للسنوار، لم نفهمه على الإطلاق.. لقد نجح في الخداع النهائي".

استشهد أبو إبراهيم، ذلك الرجل الذي اختار موتته، لم يشأ أن يموت كما يموت البعير – بتعبير الصحابي خالد بن الوليد -، ولا أن يموت بوباء ككورونا، ولا سكتة قلبية، ولا جلطة، ولا الكونسار، كما يموت ملايين البشر، كما كما قال في جلسة مع الصحفيين في حياته، لقد عرف هذا الرجل بشهادة العالم كله كيف يموت، لم يعرف الاستسلام ولا الراية البيضاء.

هذا هو السنوار الذي أقضّ مضجع الأعداء، وفضح بالطوفان أوجه كل المطبعين، وغيّر وجه الشرق الأوسط.

الوسومغزة

أخبار ذات صلة